|
القصة التي تناولتها مجلة (فراتية)
في هذا اليوم من نوع خاص، قد لا تشابه أي قصة أخرى
تناولتها عبر طيات صفحاتها منذ صدور العدد الأول منها وحتى
هذه اللحظة..
قصتنا لهذا اليوم، تتناول حياة فتاة عراقية، امتلأت حياتها
بالحزن والأسى، والعذاب والوهن والانكسار، باليأس والقنوط،
بالألم البدني والمعنوي في آن واحد..
فتاة عراقية إن وصفت بالجمال، فان اقل ما يقال عنها إنها
جميلة، وان سئل عن تحصيلها العلمي فإنها قد اجتازت الدراسة
الجامعية بكل نجاح لتعمل في مجال التدريس، وان تحدثوا عن
أدبها وخلقها، فان العدو قبل الصديق يشهد لها بالخلق
القويم وحسن السيرة..
ولكن هل تنفع كل هذه الصفات والشمائل الجميلة، مع كل ما
تعرضت له (ر.ح.ع)، وما ألمَّت بها من نوائب ومحن؟!.
هذا هو الشيء الذي لم نطرحه نحن، بل جاء هذا الأمر على
هيئة تساؤل أطلقته (ر.ح.ع) بعد إن عجزت عن السيطرة على ذرف
دموعها وهي ماثلة بين يدي للحديث، عن أهم تفاصيل قصتها
المؤلمة..
بدايات القصة
تقول (ر.ح.ع) وهي فتاة عراقية تبلغ من العمر حين شرعت
بكتابة هذه السطور (26) عاما، "أنا من عائلة شيعية
بغدادية، كنا نعيش في بغداد أنا ووالداي وإخواني الاثنين
وأختي الوحيدة، كنا نعيش كأي عائلة عراقية أخرى تتطلع إلى
الأمان والاستقرار الذي تتمناه أن يعم هذا البلد الممتحن".
قصة حبها وزاوجها
عن وزواجها، تحدثت (ر.ح.ع) قائلة"تزوجت عام 2003 بعد أن
تخرجت من الجامعة ابن خالتي الذي خطبت له قبل سنين وحين
عزمنا على الزواج وهيئنا كل مستلزمات الزفاف، وقع اختيارنا
على فندق بابل شيراتون في بغداد لقضاء الليلة الأولى من
زواجنا هناك..ولكني لا ادري ما الذي امتلكني وقتها من
إحساس أرغمني على إجبار زوجي بقطع الحجز الذي كان مدته
ثلاثة أيام وترك الفندق للعودة إلى البيت.أتذكر وقتها كم
انه ألح عليّ للعدول عن رأيي، إلا إني كنت مصرة جدا على
قراري، فما كان منه إلا تلبية رغبتي لا غير..
وبالفعل خرجت منذ الصباح الباكر، وما إن خرجنا من الفندق
حتى بدأت سلسلة معاناتي".
أولى المعاناة
ما إن خرجنا من بوابة الفندق حتى انفجرت عبوة ناسفة صاحبها
إطلاق نيران عشوائي كثيف خلف الكثير من القتلى والجرحى،
وكان من بين الجرحى والقتلى (أنا وزوجي) ، فبين لحظة وأخرى
وجدت نفسي وأنا احتضن زوجي بين يدي وهو مضرجا بدمائه، وكان
يطلب مني إن أضمه إلى صدري وأشعره بالحنان في تلك اللحظات
العصيبة..
في تلك اللحظات بقيت اصرخ وابكي مستنجدة بكل من حولي
ليأتوني بسيارة الإسعاف، إلا إن الوضع الذي خلفه الانفجار
وإطلاق النار العشوائي من قبل المسلحين المجرمين
والإرهابيين، جعل كل من كان موجود هناك مذهولا عن من
سواه..
وبعيد حين، جاءت سيارات الإسعاف ونقلتنا إلى المستشفى،
وحين كنا في المستشفى، لفظ زوجي آخر أنفاسه، وودع الدنيا
وهو ما زال بين يدي.
تصور كيف تكون الفتاة زوجة لم تعش الحياة الزوجية بعد، وفي
ليلة وضحاها تفقد هذه الفتاة حبيبها وزوجها الذي كانت
تتمناه طيلة عمرها".
وتستمر المعاناة
إن كان موت زوج (ر.ح.ع) بين يديها يعد أول نكسة في حياتها،
حتى اخذ منها مأخذا كبيرا وخلف فيها جرحا عميقا لا تتصور
انه سيندمل يوما ما، فان ما تعرضت له بعد ذلك يعد النكسة
الثانية في حياتها، وقد زاد ذلك في أوجاعها وآلامها
ومعاناتها..
فلم تتصور في يوما ما إنها ستفجع بخبر مشؤوم، خبر يغير
مجرى حياتها كلها، سيّما وإنها فقدت (الخيمة) التي كانت
منضوية تحت لواءه بعد فقد زوجها، ففي نهارات احد الأيام
العراقية المثقلة بالجراحات والأسى، امتدت أيادي الغدر
والمكر والإرهاب، لتغتال والدها الذي لم يتبق لها من احد
سواه..
أي إرهاب هذا يا ترى، الذي اجتث من حياتها وحصد بسيفه
المشؤوم روحين عزيزتين على قلبها، لتصبح أرملة ويتيمة الأب
في فترة اقل من سنة..
(وزاد الدهر طين معاناتها بلة)!!..
لكن على ما يبدو إن مسلسل معاناة (ر.ح.ع) يأبى على نفسه
الانتهاء، وهي لم تعد تدرك إلى أي وقت يا ترى سيستمر ذلك
معها، وهذا لم يكن مقتصرا على ما تعرضت له بعد مقتل زوجها
وأبيها على أيدي الإرهابيين والمجرمين، أبدا، بل ظلت هذه
الفكرة تراودها بعد إن دخلت حياتها النكسة الثالثة وهي
الأخطر والأكثر وبالا وفداحة، فلم تعد تفقه أو تعلم ما
الذي يخبؤه لها الزمن، وأي داهية وبلاء أمر وأنكى سيصب
عليه ليحيل أيامها إلى ليال سوداء معتمة مثقلة بالأسى
والجراحات..
فلم تمر صدمة فقد (ر.ح.ع) لزوجها وأبيها في هذه الفترة
القياسية، بالشكل الهين والعابر، بل على ما يبدو إن
إفرازات وتراكمات خبري مقتل زوجها وأبيها قد ألقى
بإسقاطاته على رقعة حياتها وصحتها المادية والمعنوية، حتى
أودى بها ذلك إلى حد إصابتها بمرض عضال، ألا وهو مرض سرطان
الدم (اللوكيميا)..
ولذلك تقول (ر.ح.ع) "كيف لك إن تتصور فتاة على هذه الحال،
فتاة فقدت زوجها وأبيها ثم أصيبت بمرض السرطان الخطير في
اقل من سنة واحدة، هل تتوقع إن لي أمل في الحياة، وهل
تعتقد إنني اسأل الله إن يزيد في عمري كما يتمنى البعض،
أبدا، إن كان هناك ثمة دعاء أدعو وابتهل به إلى الله فهو
أن لا يزيد في عمري كي لا يرني من الابتلاءات والمصائب
أكثر من ذلك، فلم اعد أقوى على كل هذه النوائب، ولم اعد
بإمكاني أن أطيق أكثر من ذلك"..
معاناتها مع المرض
وعن معاناتها مع المرض، قالت (ر.ح.ع) "تصور إن فتاة مهددة
بالموت بين الحين والآخر كيف ستعيش أيام حياتها، أنا بين
الحين والآخر أتجرع غصص الموت قبل أن يأتني بالفعل، ولذلك
أنا بحكم الميتة وان كانت هذه الأنفاس ما زالت تصعد وتنزل
لتؤكد بقائي على قيد الحياة..
ولهذا أنا بين الحين والآخر اعمل على تغيير الدم
والبلازما، وفي كل مرة أرى الموت بأم عيني، وبصراحة كم مرة
تمنيت لو الفظ أنفاسي الأخيرة، ولكن ماذا أقول فالأمر ليس
بيدي كما تعلم، فالحياة والموت بيد الله لا غير".
ولحمى التهجير القسري.. صولة وجولة
من يتتبع حياة (ر.ح.ع) جيدا، سيكتشف إن الزمن العاثر لم
يتركها عند هذا الحد وحسب، بل قد ابتلاها وابتلى عائلتها
بمجاميع التكفير والإجرام والإرهاب، حتى هجروا من بغداد
العاصمة الحبيبة التي عاشت فيها أحلى لحظات حياتها، وتنتقل
إلى الكوت، بعد أن تعرضت مع عائلتها إلى سيل من التهديدات
الطائفية والمذهبية بالتهجير أو القتل، فاختاروا هجرة
بغداد والعيش في الكوت.
علامة استفهام في نهاية سطر؟!.
وان كان لكاتب هذه السطور من وقفة أخيرة ومن رجاء أخير،
فأنني أتساءل إلى أي مدٍ يا ترى ستستمر حياة (ر.ح.ع) على
هذه الشاكلة؟!، والى أي مدٍ يا ترى، سيستمر الزمن بالتنكيل
بها، وصب جام ابتلاءاته عليها؟!، وهل ستبقى مكتوفة الأيدي
مستسلمة للقضاء والقدر، وهي تنتظر الساعة التي تلفظ فيها
أنفاسها الأخيرة، أم إن أيادي الرحمة ستمد إليها وتحيطها
من حولها، وتأخذ بيدها إلى ضفة الأمان..
هذا نداء.. لكل إنسان غيور.. وكل منظمة أو مؤسسة إنسانية
تسعى إلى تقديم خدماتها إلى الإنسان العراقي، أن تلتفت إلى
الحالة المرضية التي تعاني منها (ر.ح.ع) وهي سرطان الدم (اللوكيميا)
وتحاول تقديم يد العون لها لعلاجها في الخارج، قبل أن يفوت
الأوان، ولم يعد حينها هناك أي متسع من الوقت..
لمن يرغب بتقديم المساعدة ويد العون لهذه الفتاة العراقية
فما عليه إلا مراسلة المجلة عبر عنوانها الالكتروني، ليزود
بكافة التقارير الطبية والتفاصيل الأخرى الخاصة بها..
|