المرأة هي اكثر المتضررين من العلاقات الزوجية السيئة

دعاء القريشي

كثير من الأزواج يتساءلون عن الأسباب التي تقف وراء حالة الفتور العاطفي الذي ينخر علاقتهما الزوجية بعيد الزواج وعلى مراحل ونسب متفاوتة من شخصين لآخرين.
حيث يتساءل الكثيرون منهم عن سبب وصول العلاقة الزوجية لدى بعض الأزواج إلى حالة من الملل والكآبة والبرود، حتى ان الحياة الزوجية تتحول في الكثير من الأحيان إلى علاقة روتينية جافة باردة فاقدة إلى الأحاسيس الجميلة والمشاعر المتبادلة والرغبة الملحة بأنشداد كل منهما للآخر بعد الزواج.
حتى يخيم (الصمت) المطبق على مجمل حياتهما ويصبح في الكثير من الأحيان هو اللغة الوحيدة بينهما ووسيلة تفاهمهما..
ولذلك قد تقود هذه الحالة التي يعيشها الزوجان في معظم الأحيان إلى الطلاق وتفكك العائلة وتشرد الأطفال.
ولذلك عمدت في هذه السطور على استعراض بعض القصص التي تمثل معاناة بعض العوائل العراقية والتي تشكو الاغتراب والبرود الزوجي، مع الحوار مع أخصائية بعلم النفس الاجتماعي لتدلنا على أفضل الطرق لتجنب ذلك ...
صمت مطبق يخترق حياتنا الزوجية
يقول (عباس جمعة/مدرس) انه تزوج بعد تجربة عاطفية مميزة، ، ولكن.. ما الذي جرى؟.
يقول عباس ان زوجتي كانت مدرسة معي في نفس المدرسة التي اعمل بها، ولكن بعد سنة من الزواج انجبت زوجتي وبعد الإنجاب تحولت عني تماما وأصبح كل اهتمامها موجها للبيت والطفل وتغيرت أحاديثها معي فبعد ان كانت تحمل الحب والود اصبحت صامتة، واذا تحدثت تشكو من البيت والانشغال بالطفل ومشاغل العمل في التدريس، وهكذا تسلل البرود والفتور العاطفي وهيمن الصمت على مجمل حياتنا".

ليتها لم تكن متشددة.. لكان حالنا أفضل

أما سعد الجبوري فيقول "كانت زوجتي انسانة طيبة وتحبني وترعاني كثيرا وترعى بيتها بحكمة بالاضافة الى أنها تعمل موظفة. وفي فترة الخطوبة كانت ترحب بي وتتودد لي وأيضا أيام الزواج الأولى حيث كانت تستقبلني بطريقتها الخاصة، وبعد مدة قصيرة من الزواج تحولت عني واصبحت صارمة، كل شيء بنظام الاكل في موعده.. النوم في موعده لا تقبل اي تعديل أو نقاش مهما كانت الظروف وتفتخر بان منزلها مرتب ومنظم تماما ويسير وفق اشارة من أصبعها الصغير.. وبمرور الوقت أهملت زوجتي رشاقتها وزينتها وتحولت تماما شكلا ومضمونا.. أليس ذلك كفيلا بان يدخل الكثير والكثير من الفتور لحياتنا الزوجية؟!".

حواراتنا أصبحت رسمية إلى حد ما
اما (أم زينب) ربة بيت ومتزوجة منذ ثلاث سنوات يجمعها وزوجها الصمت والبرود والفتور والاغتراب العاطفي..
وعن هذه الحالة تقول "انا وزوجي أصبحنا نلتزم الصمت في الكثير من الاحيان اللهم الا في بعض الحوارات الرسمية الروتينية، رغم ان ثلاث سنوات ليست فترة طويلة ليدب الصمت والروتين في حياتنا ويتولد كل هذا الملل فالحديث الدائم بيننا ينحصر في الحصة التموينية والكهرباء والغاز لا اكثر ولا اقل، واذا ما خرجنا للنزهة نتبادل الحوار الصامت، وارى ان كل المتزوجين هكذا وقد يرجع ذلك الى كثرة المسؤوليات وصعوبة الحياة..
أصبح زوجي على حال لا تسر
(ام وسام/ موظفة) قالت "لا ادري ما الذي حدث لعلاقاتنا وما الذي جعلنا نصل الى حد ان نكون غرباء تحت سقف واحد، على الرغم من اننا تزوجنا بعد قصة حب دامت أربع سنوات، وتزوجنا منذ خمس سنوات، وقد كان زوجي يعود الى منزله متلهفا يقص عليَّ كل ما يلاقيه من مسرات واحزان، وأيضا نتحدث عن احلامنا القادمة، ونتبادل الآراء والأفكار، وفجأة اصبح زوجي بعيدا عني يحضر الى المنزل مرهقا عصبيا صامتا لا يريد ان يتحدث في اي موضوع، واذا تحدث فانه يلقي الأوامر ووصل بنا الحال الى اننا لا نخرج معا واذا ألححت عليه يعدني ثم يخلف وعده بمنتهى البساطة بحجة الظروف الامنية.
رغم العشرة الطويلة إلا أن ثمة أمر يتغير
أما (علياء بدر) وهي معلمة ومتزوجة منذ عشرين عاما من ابن خالها.. تقول "على الرغم من الحب الكبير وقدرتنا على الاستمرارية كل هذه السنوات واستطاعتنا البرهنة على صدق أحاسيسنا ومشاعرنا حتى انجبنا ثلاثة أولاد وامتلكنا دار سكن وسيارة الا اني منذ ست سنوات بالتحديد بدأت ألاحظ تغيرات في تصرفات زوجي فكثيرا ما يجلس بمفرده وينعزل عن الجميع ويلوذ بالصمت وحاولت ان استوضح منه الامر دون جدوى لكنني لم أصل الى سبب مقنع لحالة الانطواء الذي يعانيها، وبدأ الفتور يتسلل الى حياتنا، فماذا افعل؟؟ لا ادري.

*في السطور الماضية، تم عرض كل ما كشف عنه الرجال والنساء المتزوجين معا، حيث أعرب كل منهم عن معاناته ، وبقي الامر الأهم.. هو كيف يرى علم النفس وعلم الاجتماع هذه المشاكل..
هذا ما تحدثنا به مع الباحثة الاجتماعي وأستاذة علم النفس (سوسن عبد الكاظم).. حيث جاءت هذه السطور..

أسباب الفتور والبرود العاطفي

أوجزت الباحثة في علم النفس والاجتماع سوسن عبد الواحد أسباب الفتور العاطفي بقولها "ان الفتور العاطفي الذي يحدث بعد الزواج يعود الى عدة اسباب أهمها عدم وجود حب حقيقي سواء قبل الزواج أو بعده كذلك التفاوت في الثقافة والذكاء واخيرا اختلاف الشخصيات".
اذن لماذا الملل؟.
الملل فترة طبيعية تمر في حياة اي زوجين، حيث انها سمة من سمات الحياة. ولكن اذا كان هناك حب حقيقي وتفاهم فالملل لا يؤثر على الحياة ولا على سلوك الزوجين، فقد يتصرف كل من الزوج او الزوجة بشكل سليم.
ويفسر ذلك على انه نتيجة الملل ولكن هذا غير حقيقي فالملل لا يدفع الانسان الى ان يسلك سلوكا غير أخلاقي او غير طبيعي اذا كان هناك حب صادق".

تراجع في حجم اللهفة والاقبال
اذا كان الامر كذلك اذن كيف نفسر التراجع في اقبال كل من الزوجين على الأخر بحيث لا يستمران بنفس الحرارة والاندفاع والشوق واللهفة؟
- ان الحب الحقيقي ليس معناه الحرارة والاندفاع واللهفة، هناك رأي خاطئ يقول ان الحب بعد الزواج يتحول إلى نوع من الألفة أو الصداقة، ولذلك يفتقد عناصر الإثارة واللهفة ان الحب هو الحب منذ البداية حتى النهاية والشوق واللهفة ليس معناهما الحب الحقيقي او العميق فكلما كان الحب هادئا كان اكثر عمقا واكثر موضوعية.
اذن كيف يمكن للزوجين التغلب على الملل او الركود العاطفي؟.
- اذا اردنا ان نتحدث بشكل علمي عن التغلب على الملل لا توجد نصائح محددة اذا كان هناك حب حقيقي جاد، فان هذه الفترات سوف تمر بسلام، فسمات الحب الحقيقي ان يتغلب على انه صعوبات تمر بالحياة الزوجية، وقد ينصح البعض بما يسمى (أجازة زوجية) اي يبتعد الزوجان عن بعضهما فترة من الوقت كي تتجدد العلاقة وتعود اللهفة، وهذا شيء غير حقيقي بل وهم.


وصفتي هذه النصيحة وهي ابتعاد الزوجين عن بعضهما وبما يعبر عنه بالإجازة الزوجية بالوهم وغير الحقيقي لماذا؟.
- لاني اعتقد ان الحب المهزوز أساسا لن ينصلح حاله بمثل هذه الأجازة، ولكن ما ينصح به عموما سواء بالنسبة للمتزوجين او غير المتزوجين ان خير وسيلة لمواجهة الملل في الحياة هو التجديد (تجديد وضع الأثاث ممارسة هواية جديدة، قضاء فترة من الوقت للسفر كذلك خلق مجالات لطموح جديدً)، فكل هذه وسائل لمواجهة الملل الذي يغزو الحياة الزوجية ويجعل الازواج يقبلون على الحياة من جديد.
الملل ... وماهيته
لكن بقي أمر هام، وهو كثير ما نسمع عن الملل لكن الذي لم يعرفه الكثيرون ما هو التفسير الحقيقي للملل.. بمعنى ماذا يعني الملل؟
- سؤال غاية في الأهمية، لمدارس علم النفس اداؤها المختلف فهناك من يقرر ان الملل نوع من الارهاق للجهاز العصبي، حيث تفرز بعض الهرمونات التي تسبب نشاطا للخلية العصبية، واذا تلقى الانسان نفس المؤثرات باستمرار اي ان الروتين يسبب ضعفا وظيفيا في الخلية العصبية مما يؤدي الى الشعور بالانهماك والإرهاق ومن هنا نستطيع ان نعرف الملل بطريقة مادية على انه انهاك وارهاق للجهاز العصبي، واذا تطرقنا للزواج الشرقي، نجد انه مملوء بالروتين فلكل صباح يشابه الصباح السابق، والمساء نفس المساء، لذا يصاب الانسان بحالة ذهنية تجعله مثل المنوم مغناطيسيا ففي المنزل يرى انعدام الكهرباء وازمة الوقود والمسؤوليات التي تضاعفت خلال السنوات الأربع الأخيرة، فتجد اغلب الازواج لا يريد ان يتكلم او يتناقش في اي شيء وتصبح الحياة غير ذات أهمية يزيد من ذلك عبء الأطفال.
وما الاسباب الحقيقية الأخرى لحالة الملل؟
- من الاسباب الأخرى عدم التوافق في اغلب حالات الزواج نظرا لانتشار زواج (المنفعة) وهذا بسبب فشل اكثر الزيجات لاكتشاف الفارق في التطلعات والهوايات والأفكار، وتوضح النظريات النفسية، ان الزواج مبني على المشاركة النفسية والاقتصادية والاجتماعية وعندما تكون العلاقة بين الزوجين مبنية على العلاقات الزوجية فقط يحدث الملل لان الزوج يحتاج الى الصداقة والحب، وعندما لايجد الحب في بيته فتراه يبحث عنه عند صديق او صديقة خارج بيته واسرته.
هل ترين اذن ان مسألة الاختيار.. ضرورية لبناء أسرة سعيدة؟
- للأسف ان نسبة كبيرة من حالات الزواج عندنا في العراق أساسها خاطئ مثلا شاب تختار له والدته عروساً ويراها مرة او مرتين ويتم الزواج هكذا بدون دراسة، فأحيانا مهما تتطور قدرة الشاب على الاختيار يبقى يتصور ان اي موقف بسيط مع اي فتاة في الجامعة او العمل تصبح حبا وان كان هناك فرق بين الحب والجنس فان ذلك يرجع سببه كون الشاب في مجتمعنا تراه مكبوتاً ولو قالت له احدى زميلاته (صباح الخير) او تحدثت اليه ببساطة يشعر نحوها بشيء من الانجذاب الشديد معتقدا انه (الحب) وهكذا تتم معظم حالات الزواج بناء على (الرغبة) لا الحب والتفاهم وبعد الزواج يكتشف كل طرف مقدار البعد بينه وبين الطرف الاخر فيبدأ الشعور بالروتين والرتابة فالزواج يجب ان يقوم على الانسجام الفكري والعاطفي والحياة الزوجية ما هي الا مشاركة فكرية وعاطفية وكل هذه المشاركات تجعل الحياة الزوجية خصبة لا تبعث على الملل.
المرأة تعاني أكثر
ومن يتأثر بحالة الاحباط بصورة اكبر الزوج ام الزوجـة؟
ـ الزوجة تعاني أكثر فتلاحظها تذهب الى عيادات الأطباء النفسانيين التي لا يدخلها الرجل الا نادرا ويرجع ذلك لانه لديه وسائل تعبير وتنفيس متعددة بعكس المرأة التي تنطوي على مشاكلها وما تولده بداخلها من مشاعر الالم والقلق وتأتي لتشكو الصداع وفقدان الشهية واضطرابات الدورة الشهرية وآلام المعدة ثم الملل العام وفقدان القدرة على الاستمتاع بأي شيء كانت تستمتع به من قبل".
وتبقى المفارقة المهمة بعد ذكر كل ذلك، هل سيعي الأزواج الأسباب التي تؤدي دائما إلى اختراق الملل والكآبة والفتور والبرود العاطفي لحياتهم الزوجية، فتتحول الألفة والمحبة والمودة إلى كره وتنافر وبغضاء.. ومن يدري لعل مصير الحياة هو الطلاق..

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمجلة فراتية©2007