حواء العراقية........... واللون الأسود

خضير حسين السعداوي

لم تكن الصدفة أن يسمى العراق ارض السواد في السابق لكثرة أشجاره وتشابكها لذلك يبدو للناظر من بعيد انه خط اسود وقد
جاءت التسمية مطابقة للواقع....أما اليوم يمكن ان نطلق على
العراق بأرض السواد أيضا ليس لكثرة أشجاره ونخيله وتشابكها ولكن لان نصف المجتمع وخاصة النساء قد توشحن بالسواد وبما أن اللون الأسود دلالة على الحزن والأسى فتصور كم تعاني أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا وزوجاتنا من أسا وحزن فتحنا عيوننا وجدنا أمهاتنا قد تحالفن مع اللون الأسود لم يفرحن بأثواب زاهية كبقية نساء العالم لم يضعن المساحيق على وجوههن غناءهن بكاء ونحيب وندب الأحبة الذين ذهبوا من غير رجعه أما ابن عزيز أو زوج مفقود أو أب معتقل في غياهب السجون حتى أصبح للحزن طقوس تتقنها أمهاتنا فأعيادنا نذهب الى قبور موتانا نندبهم ونصب الدموع الغزيرة .
. كل خميس نعمل الخميسيات نبكي موتانا ولمدة أربعين يوما. لانخلع الثوب الأسود حتى مرور عام كامل في الحالة التي لم نفقد فيها عزيزا أخر.
ماذا جنيت ياحواء العراق لقد تفننت الدكتاتوريات المتعاقبة في خلق الأسى والحزن لك فحروب وأزمات وسجون واعدامات ......
ثمان سنوات عجاف وانتن تقدمن فلذات الأكباد لطاحونة الحرب العبثية التي سجرتها الدكتاتورية بأحلامها المريضة كل هجوم من هذه الحرب تضعين يدك على قلبك سيطرق بابك لتفاجئين بأحد الأحبة في تابوت وعلى احدى السيارات متوشحا بعلم الدكتاتورية وليستمر لبس السواد . أو يطرق بابك طارق الليل المرعب ليأخذ احد الأحبة الى دوائر الأمن المرعبة لتعيشين في الأمل الكاذب بعودته.....أو تطرق بابك الحاجة لاطعام ا أيتامك لتفترشين الشارع في بيع السكائر أو الأعمال المذلة
حكي لي احد الأصدقاء أن احدى الأمهات قتل وحيدها في احدى جبهات القتال وعندما رأته على السيارة في التابوت وبما انه وحيدها فتصور الحالة لقد جنت فقدت عقلها من هول الصدمة وأخذت تردد
(( يلمدلل ييمه )) وأخذت تمزق ثيابها....
وبعد فترة اخبر زوجها من قبل المنظمة الحزبية في المنطقة ان الرئيس القائد يريد ان يلتقي بذووي الشهداء رفض زوجها
وقال بالحرف الواحد أنها مجنونة ولااستطيع مصاحبتها لزيارة
الرئيس دعوني اذهب بمفردي اجابوه ان الأوامر تقول ان أم وأب الشهيد يجب ان يحضروا أمام الرئيس. وأمام اصرارهم اضطر ان يأخذها معه وتصور ا ن مقابلة الرئيس ليس بالشيء الهين حيث نقاط التفتيش المهم وصلوا الى قاعة الاستقبال وبعد فترة حضر الرئيس وكعادته استلم المايكرفون بثرثرته المعروفة والممله فما كان من هذه المرأة ألا ان تقوم وتقول بلهجتها الجنوبية(( هي الهرملة دوم يوم ))أي ان كثرة كلامك له نهاية. ومن تلك اللحظة يقول زوجها لم اراها ولم تراني حيث أفقت وجدت نفسي في السجن.
في احد أسواق البصرة وبينما كان صديقي وخطيبته يستعدون لشراء حاجياتهم للاستعداد للزواج تفاجئت خطيبته بمجموعة من رجال الأمن يحيطون بهم وينتزعونه عنوة منها ليتركوها تندب حضها لتتوشح بالسواد على أمل رجوعه وجد في احدى المقابر الجماعية هذا غيض من فيض مما حدث ويحدث لحواء العراقية .
وبعد سقوط النظام الدكتاتوري وتنفسنا الصعداء تبدا حمامات الدم في التفجيرات والاغتيالات لتتوشح مزيد من نساءنا باللون الأسود..
توقف قليلا عند انتهاء الدوام في مدارس بناتنا ماذا تلاحظ أنها كتل سوداء تخرج من المدارس زرافات ووحدانا متى يفيق السياسيون من غفوتهم لينظروا لهذا الكائن نظرة رحمة وعطف مما يعاني؟
متى نرى أمهاتنا وبناتنا وزوجاتنا تنعم بالحياة كبقية خلق الله أما ان الاوان لتفارق حواء العراق اللون الاسود وتحلم بغد مشرق في عراق يتآخى فيه الجميع يجمعهم حب العراق .

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمجلة فراتية©2007